كتب سليم ابو جودة: تأتي زيارة الرئيس جوزيف عون إلى النبطية في لحظة حساسة للغاية بالنسبة لجنوب لبنان، في أعقاب التفجير الإسرائيلي لمرتفعات "علي الطاهر" وتجدد المخاوف بشأن العواقب المدمرة للمواجهة العسكرية المستمرة في المنطقة. وقد رافق وصول عون مشاهد لأهالي المنطقة وهم يرحبون به ويعربون عن رغبتهم في وجوده. وكان من بين الرسائل التي تتردد على ألسنة الحشود مناشدة بسيطة: "أهلاً وسهلاً.. نحن بحاجة إليك." ويحمل هذا الترحيب دلالة مهمة في منطقة وجدت نفسها مراراً وتكراراً في قلب حرب يشارك فيه حزب الله. لقد وضعت التفجير الأخير في منطقة علي الطاهر عواقب المواجهة تحت المجهر مرة أخرى. كما أشارت التقارير التي أعقبت التفجير إلى نشاط زلزالي تم قياسه بحوالي 4.2 درجة. وبغض النظر عن العلاقة الدقيقة بين الانفجار والقراءة الزلزالية، فإن تلك الواقعة أظهرت حجم القوى التدميرية التي تؤثر على جنوب لبنان. وبالنسبة لمنتقدي حزب الله، يعد التفجير مثالاً آخر على الثمن الذي يواصل المدنيون اللبنانيون دفعه لقاء صراع لا يملكون فيه سوى القليل من التحكم في القرارات التي تحدد متى وأين تقع المواجهات. وقد واصلت قيادة الحزب برئاسة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الدفاع عن الموقف المسلح للحزب ومفهومه للمقاومة. لكن هذه الحجة تواجه سؤالاً يزداد صعوبة من خلال معارضيه: ماذا قدمت عقود من المواجهة المسلحة فعلياً لأهالي جنوب لبنان؟ ويؤكد المنتقدون أن الإجابة هي دوامة من غياب الأمان، والنزوح، والدمار بدلاً من السلام الدائم. فلقد تُرك أهالي الجنوب مراراً وتكراراً لإعادة الإعمار بعد حروب ألحقت الضرر بالمنازل والأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية. وتزداد شدة إحباطهم بشكل خاص عندما تُتخذ القرارات المتعلقة بالتصعيد العسكري دون موافقة الشريحة الأوسع من الشعب اللبناني. ولهذا السبب تكتسب زيارة عون إلى النبطية أهمية سياسية. ويحاول الرئيس عون تعزيز حضور المؤسسات الوطنية اللبنانية في منطقة ارتبطت لسنوات طويلة وبقوة بالنفوذ العسكري والسياسي لحزب الله. ويشير الاستقبال الذي حظي به إلى وجود رغبة لدى بعض السكان على الأقل في تبني نهج مختلف، نهج يركز على الأمن، وإعادة الإعمار، ومصالح المدنيين اللبنانيين. وبالنسبة لحزب الله، فإن هذه الرسالة ينبغي أن تُؤخذ على محمل الجد. فلا يمكن اختزال جنوب لبنان في ساحة معركة دائمة. وسكانه ليسوا مجرد مشاركين في صراع أيديولوجي؛ بل هم مواطنون لديهم عائلات وأعمال ومجتمعات يتعين حمايتها. وقد أعاد تفجير علي الطاهر تسليط الضوء بوضوح على هذه الحقيقة مرة أخرى. وفي حين يواصل حزب الله تبرير دوره المسلح بلغة المقاومة، يتساءل العديد من اللبنانيين عما إذا كان بمقدور البلاد الإفلات من دوامات الصراع المتكررة طالما أن منظمة خارج الهياكل الطبيعية للدفاع الوطني تمتلك مثل هذه القوة العسكرية الهائلة. ويقدم الترحيب بالرئيس عون في النبطية صورة مغايرة: مواطنون يتجهون نحو رئيسهم ويقولون له إنهم بحاجة إليه. وبالنسبة لبلد أنهكته سنوات من الأزمات، قد تكون هذه الكلمات من بين أهم الرسائل القادمة من الجنوب. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان بإمكان لبنان الابتعاد أخيراً عن المواجهة الدائمة والانتقال نحو مستقبل تتصدر فيه حياة مواطنيه وأمنهم أولوية الاهتمامات.